حسنًا تفعل حركة الشبيبة
الأرثوذكسية بجعل سنة 2007 سنة تكريم للإستاذ الدكتور كوستي بندلي، أطال الله عمره.
جمعني الله به للمرة الأولى منذ أكثر من
نصف قرن، خمس وخمسون سنةً وأكثر. لم يكن ذلك صدفةً. أذكر، كان ذلك في الميناء. لا
أذكر المكان بالتحديد، فقد كانت المرّة الأولى التي أذهب فيها إلى الميناء. وكان
الأخ كوستي (هكذا كان يفضّل وهكذا ما كان الجميع وما يزالون ينادونه) يرئس اجتماعًا
لمسؤولي فروع حركة الشبيبة الأرثوذكسية في طرابلس والشمال. كان عدد المجتمعين لا
يزيد على عدد الرسل التلاميذ، وكان هو بمثابة المعلم.
كنا في البدايات ... البدايات. أربعة أو
خمسة فروع في كلّ محافظة الشمال حينذاك.
جلّنا مراهق، ولكن على توثّب. ماكنّا
نعرف "النصيب الصالح" بعد. لذلك كان كلّ واحدٍ منّا، بنبرةٍ حادّة، يحاول أن يربح
"مجلس" اليمين ... أو على الأقل "مجلس" اليسار في "مجد" هذا العالم. ما كنّا نعي
جمال الصبغة ولا رونق من لبسناه يوم اصطبغنا بها، ولا كنّا تلمّظنا طيّبات الكأس
التي أعدّت لأجل خلاصنا.
وكان الأخ كوستي هادئًا، يصغي بانتباهٍ
كليّ إلى كلّ كلمةٍ تقال، وترك لنا غارب الكلام يأخذ مداه ... وإن شئت قل ترك لكلّ
واحدٍ منّا "يفشّ خلقه" على طريقته حتى أفرغ كلّ واحدٍ جميع ما في جعبته.
وبتواضعه الكبير الكبير بارك الأخ كوستي
لكلّ واحدٍ منّا غيرته ومحبّته للكنيسة وعلى النشاط الحركي "المزدهر" الذي حقّقه
كلّ واحدٍ في الرعية التي ينتمي إليها!.. ومن ثمّ انتقى كلماتٍ إلهيةً، وكغارسٍ
ماهرٍ، غرسها فينا، فحوّل جو الاجتماع من محاولة الاستيلاء والتملّك، إلى انفتاحٍ
ملؤه الحبّ والعطاء، فعاد كلّ واحدٍ إلى رعيّته وكأنّ معموديته تجدّدت بالكلمات
الإلهية التي فاه بها الأخ كوستي فأعادت خلقه والتزامه من جديد.
ما عدا ذلك، نادرًا ما التقيت الأخ
كوستي، ندوةٌ هنا وحديثٌ هناك واحتفالٌ حركيٌّ ثمّة، ولكنّي تابعت جميع كتاباته
التي صدرت باللغة العربية، وحسبي أنّ ذلك يجعلك على وصالٍ ثابتٍ معه. يلفتك عمقه
ودقّة وواقعية تحليلاته التي كثيرًا ما يعمّدها بحقيقة الإيمان دون مساومةٍ على
الحقائق العلميّة، بل على على العكس يشعرك بأنّه يثبّت الحقائق العلميّة بحقيقة
الإيمان.
وبمرور السنين يترسّخ لديك الأخ كوستي
فلاحًا مجدًّا في حقل الكنيسة، يزرع فيه البذار الصالحة ويرويها بالغذاء الإلهي،
متعهّدًا إياها يومًا بعد يوم، فتنمو غرسات خصيبةً تحمل الثمار الجنيّة لنموّ
المعرفة والإيمان.
كلّ ذلك أضاف إلى خبرتي الفتية الأولى
بالأخ كوستي معارف يمكن التأكيد معها أنّه صخرةٌ في الإيمان، عالمٌ كبير، بحّاثة،
مقدامٌ في المواقف، مدرارٌ في العطاء، مجتهدٌ مخلصٌ في العمل، وقبل كلّ شيء وفوق
كلّ شيء، محبٌّ للربّ ولكنيسته.
روى لي مرّةً سيادة المطران جورج (خضر)،
أطال الله عمره، أنّه سأل الإستاذ كوستي (كإختصاصي في علم النفس) سؤالا انتظر أن
يجيبه عليه على الفور نظرًا لما اعتبره سيادته سؤالاً بسيطًا، فأجابه الدكتور
كوستي: أرجو أن تمنحني أسبوعًا للرجوع إلى كتبي ومراجعي ثمّ أعود إليك. أسوق هذه
الرواية للدلالة على رصانته العلمية.
بعد انقطاع أكثر من ربع قرن زرته في
"صومعته" منذ حوالي سنة للإطمئنان على صحته فوجدته مختلٍ إلى كتبه وأوراقه وقلمه
كعادته.
في كتاب "الله والشرّ والمصير" وهو آخر
كتابٍ صدر له في طبعةٍ جديدةٍ ومنقّحةٍ ومزيدة، في مقدّمة الفصل الرابع حول مفهوم
"الخطيئة الجدّية" يقول:
ما سوف أقدّمه ليس ... "المفهوم" (بأل
التعريف) الأرثوذكسي للخطيئة الجدّية ... إنّما هو مفهومٌ أعتقدأنّه
أرثوذكسي بمعنى أنّه منسجمٌ، على ما أظنّ، مع جوهر التراث المسيحي الشرقي
المستقيم الرأي، ولكنّه إلى ذلك وليد اجتهادٍ شخصي أعتقد أنّه نابعٌ من إخلاصٍ
لكلمة الله ولواجب فهمها في ظروف اليوم. لذا أقدّمه على مسؤوليّتي الخاصّة
كمجرّد رأيٍ لاهوتي لا يلزم أحدًا سواي.
يمكن اعتبار هذا المقطع أيقونةً خاشعةً
للأخ كوستي، تبرز إيمانه، وتخشّعه أمام الحقّ والعلم، وتواضعه، ومحبّته للعطاء،
وحركيّته، وديناميّته، وجدّه واجتهاده، وقبل كلّ شيء وفوق كلّ شيء، محبّته للرب
ولكنيسته.
كوستي بندلي، دكتور!.. مستحق! (ثلاثًا).
كوستي بندلي،
أستاذ!.. مستحق! (ثلاثًا).
يبقى نداؤنا
المحبّب لك: الأخ كوستي. أطال الله عمرك.