"يا ربّ، أنت تعرف عدم رقاد أعدائي الذين لا يُرون".
هبني أن أكون يقظاً. أنا من صحبك. أعداؤك هم أعدائي. وأنت تعرف أنّهم لا
ينامون. ليسوا يقظين. ولكنّهم لا ينامون. وهم "لا يُرون". يحيون في الظلمة. ويعملون
في الظلمة. أعطني نورك، لينكشفوا، وأغلبهم. ليست لي، وحدي، قدرة عليهم. بنورك أغلب.
"وضعف جسدي الشقيّ قد علمته يا خالقي". لا أبرّر. أنت تعلم خطاياي. لا
أضع الحقّ كلّه على أعدائي. فأنا، أحياناً، عدوّ نفسي أيضاً. يهلكني ضعف جسدي،
شقاوته. تهلكني خطاياي.
"في يديك، أستودع روحي". هي كلمتك الأخيرة. أنا أردّد كلمتك الأخيرة.
خلاصي فيك، في كلمتك. لا أيأس. لن أيأس. مهما ضاقت سبلي، واشتدّت آلامي، أثق بأنّك
ستأتي، لتنقذني سريعاً. أنت أمامي، ويداك مفتوحتان. وأنا أحاول أن أمشي إليك. مدّ
يديك، وأمسك بيدي. أنا طفلك الصغير. لما أتعلم المشي جيداً. مرني أن آتي إليك. وابق
أمامي، لئلاّ أقع.
"استرني بأجنحة صلاحك". ليس لي مكان آخر أستظلّ فيه. أنت أمي وأبي. أنت
حمايتي. إن سترتني، فسأنام مطمئنًّا. لن أخاف أعدائي الذين لا ينامون. تحت جناحيك،
لن "أنام إلى الوفاة"، وستنير "عينيّ العقليّتين بتنعّم أقوالك الإلهيّة". جناحاك
مدرستي. ليست لي مدرسة أخرى تؤهّلني لأن أفهم حقّك، وتخوّلني أن أنهض، في كلّ وقت،
إلى تمجيدك.
أريد
أن أهدأ بظلّك، وأن تنتهي طلباتي، وأمجدك. بغيتي أن أمجدك، أن أشارك السماويّين في
تمجيدك.
27– إثبات
أنت عارٍ، وتريدني أن أرتدي ثوباً جديداً.
يا لهذه الإرادة الغريبة !
هل يعنيك وضعي أكثر من وضعك، وتهتمّ بي أكثر من نفسك؟
أنا أعرف أنّ من الدلائل، التي تفضح العاشق الولهان، أن يضطرب إذا اشتمّ عطراً يشبه عطر من يحبّه، وأن تسرح عيناه إذا رأى غرضاً يذكّره به، وأن يذوب رقّة إذا طلّته، وأن يفضّله على نفسه.
تريدني أن أرتدي ثوباً، وأنت عارٍ.
هل من إثبات أكبر على أنّك متيّم بي؟
28– ابن حبيب
لا ترضى بعبوديّتي، فأنا ابن. لكنّي أرضى.
صحيح أنّ كلا الوضعين حلو. ولكن، إن سمحت، أفضّل أن أكون عبداً لك.
فهل أحلى لي من أن تأمرني؟ هل أحلى لي من أن تعرف بوجودي، وتقصد أن تكلّمني؟
فقلْ لي ما طاب لك الكلام، فأنا طوع أمرك.
سيّدي. لا أقصد أن أخالفك. فأنت ابن أبيك الوحيد، ورضيتَ بأن "تخلي ذاتك، وتتّخذ
صورة العبد" من أجل خلاصنا. وأنا بغيتي أن أحذو حذوك.
جدْ عليّ بأمرك. ماذا تريدني أن أفعل؟
هل أجول الطرقات والساحات، لأدعو القريبين والبعيدين؟ هل أغسل أرجل من تحبّهم؟ هل
أخدمهم على مائدتك؟ قلْ. فهذا بعض ما فعلتَهُ أنت. وفعلتَهُ فرحاً. وأصررتَ على أن
تفعله.
أتذكر عشاءك الأخير، عندما قمت عن العشاء، وخلعت ثوبك، وأخذت منديلاً فأتزرت به،
ثمّ صببت ماء في مطهرة، وأخذت تغسل أقدام تلاميذك، وتمسحها بالمنديل. أتذكر ماذا
قلت لتلميذك بطرس بعد أن حيّره تصرّفك، ورفض أن تغسله. قلت له: "إذا لم أغسلك، فلا
نصيب لك معي".
لا أبغي أن أكون بطّالاً. بغيتي أن أحيا من خدمتك. وإذا أرضيتك، فقد يجدني أبوك، في
يومه، ابناً صالحاً. بنوّتي هكذا أتوقها. أتوق أن أسمعها من فم أبيك.
يا لعذوبة صوت أبيك.
يوم معموديّتك، قال، أمام الملأ كلّه، إنّك ابنه الحبيب. ويوم تجلّيك، أضاف أن نسمع
لك. يومها، بطرس نفسه، وقد أسكره نور وجهك وثيابك التي تلألأت كالبرق، قال لك: "يا
معلّم، حسن أن نكون ههنا". وسألك أن ينصب ثلاث خيم، واحدة لك وواحدة لموسى وواحدة
لإيليّا اللذين "تراءيا معك في المجد". وقتها، "لم يكن يدري ما يقول". لكنّك أنت
كنت تدري. لم تجبه. انتظرت أباك أن يجيبه. وأجاب أن نسمع لك. ففي طاعتك تنصب
الخيام، ونقيم في نمور دائم، في تجلٍّ مستمرّ.
لا أخالف، سيّدي. أريد خيمة طاعتك، لألتحف بنورك. ويطلّ أبوك، ويقول لمن في الخيمة:
"هذا ابني الحبيب".
29– بيت جديد
من أدعو، معك، إلى العشاء؟
"الفقراء والكُسحان والعُرجان والعُميان".
سأدعوهم من أجلك، ومن أجلي. فأنت تحبّ وجودهم. وأنا بغيتي أن أتعوّد
رفقة الأبرار في قيامتك.
تعنيني قيامتك. تعنيني مكافأتك.
قيامتك هي قيامتي. لا أريد أن أبقى ميتاً. أكره الموت. أكرهه في وجوهه
كافّة.
سأدعوهم أوّلاً. وأخرج ما في خزانتي، وألبسهم ثياباً جديدة.
لا أريدك أن تدعوني "لصًّا سارقًا". أريدك، متى وصلت، أن ترى علامات
قيامتك تزيّن أبرارك، وأن تفرح بنا جميعاً.
سأشتري خمس سمكات ورغيفين. أريدهم أن يأكلوا، ويشبعوا، ويأخذوا هم ما
يفضل، ويتعوّدوا أن يطعموا الآخرين.
أنا أثق بأنّ ما سأشتريه، إذا رفعتَ عينيك إلى السماء وشكرتَ وباركتَ،
سيكفي، ويفيض.
دعوتك مربحة. لا أستغلّك. أكلّمك بصراحة.
أنت تحبّ الصراحة. وأحبّ، متى أتيت، أن تكلّمنا بصراحتك المعهودة. من
كلمتك نتغذّى، ونحيا، ونوجد.
أريد أن تتعمّق صداقتنا، وأعرف أسرارك كلّها. أنا لي رغبة في أن تعتبر
أنّ بيتي مفتوح لك. قلت لك، قبلاً، "بيتي هو بيتك". وأقول لك، اليوم، بيتي هو بيتك
وبيت مَنْ تريد مِنْ صحبِكَ، كلِّ صحبِكَ.
في ملكوتك، لن تكون لنا بيوتنا الخاصّة. ستكون "منازل أبيك الكثيرة"
بيتنا. أريد، منذ الآن، أن أتعوّد بيتنا الجديد، وسكّان بيتنا الجديد.
30–
موقع خدمة
يوم دعيتُ، ما كنت أعي تطفّلي وتسرّعي. أخذني تشجيع رفقتي، وحبّي لكنيستك، وقبلت.
اليوم أعي.
لقد أخذت أرى نفسي على حقيقتها. أنا دخيل تربّع في مكان ليس له.
كيف رضيتَ بي؟ ماذا جرى لك، هل أذكّرك بمكان من أقمتني؟ أنت تعرفهم.
أخجل من ذكر أسمائهم. ذكرهم نار محرقة. وأنا كالثلج البارد، وكالعبد البطال.
أنا لا أتوضع أمامك. أنت تعرف ضعفي، و"تعرف كلّ شيء".
لا أريد أن أهرب. كان عليّ أن أفعل ذلك يوم دعيت. لقد جَبُنْتُ، وقبلتُ.
لو كنت حقًّا، لهربت.
كان من الواجب أن أبقى في موقعي. موقعي الجديد لا يوافقه أمثالي. الآن
بتّ أعلم.
أنت رفعتني من الحضيض، وأكرمتني. وما فعلته معي، لا أستحقّه. الآن بتّ
أعلم.
قرّبتني منك.
كنت أحاول قربك، وزدتني قربى. وفضحني موقعي.
كلّي عيوب. أنت ترى. كلّي تخاذل. أنت ترى.
إن كنت تريدني أن أبقى، في موقعي الجديد، فخذْ عنّي عملي. خذْ عنّي
عملي، أو علِّمني أن أجعل موقعي موقعاً لك.