لقد حاول بعض الذين رأوا آية تكثير "الخبز والسمكتين" أن يختطفوك،
ليقيموك ملكًا. فلماذا رفضت؟
هل ذكّرتك محاولتهم بتجربتك في البرية؟
هل تؤلمك هذه التجربة إلى درجة الهروب؟
أنا حسبت أنّ الذين حاولوا أن يخطفوك، ويملّكوك، أسرهم ما قلته،
وعملته، ولم يقصدوا أن يجرّبوك. ولكنّك انصرفت، وتواريت عن الأنظار. فهل شعرت بأنهم
أرادوا، فعلاً، أن يجرّبوك؟
أنت تعلم أن الناس كانوا في ألم وضيف شديدين، ويتوقون إلى مَنْ ينقذهم
من ظلم الغرباء وعتوّ الخونة، ورأوا فيك خلاصهم. فقلْ لي: لماذا رفضت؟
كلّ الذين أحبّوك، وعايشوك، وأدركوا فيك، اعتبروا أنّّك الملك.
كلّ الملوك والولاة، الذين سمعوا عنك، أو عرفوك، شعروا بأنّك الملك.
هيرودوس اضطرب إذ عرف بمولدك. وملوك المشرق أتوا إليك بهداياهم، وسجدوا أمام قدميك.
وبيلاطس سألك، على انفراد، إن كنت الملك، ولم تنكر. فجعل رقعة فوق صليبك، وكتب
فيها: "يسوع الناصريّ ملك اليهود".
الملوك والولاة أدرى. بمن هو الملك. وأنت الملك. فلماذا رفضت؟
هل أحسست بأنّهم يريدونك ملكًا فئويًّا؟ هل تحطّم الفئويّة ما أتيت من
أجله؟
سرّني بسرّك. هل هذا سرّك؟ أو لك سرّ آخر؟
سرّني. فأنا في مخدعي، وبابي مغلق.
إن كانت لك أسرار لا تقولها في الأرض، فاختطفني. أنا لست مصرًّا على ان
أبقى في مخدعي. فأنت مخدعي. اختطفني إلى أبعد سماء تريدها، وسرّني بما "لا يُلفَظ،
ولا يحلّ لإنسان أن يذكره".
أنت تفعلها. اختطفني، وافعل.
لن أقول إنّك اختطفتني، لتقيمني ملكًا. بلى، سأقول إنّك رفضت الملك، في
الأرض، ليخطفك أبوك، ويعلنك ملكًا على الدنيا، ويعطي الذين تشبّهوا بك، في يومه،
تاج الملك، ويقيمك، عليهم، "ملك الملوك".
37 – نصيحة
الناس يلومونك. فأنصحك أن تلوم معهم.
يقولون "لو كنت هاهنا"، لما مرض أحد، أو مات آخر!
هم يعرفون أنّك أتيت من أجل الخطأة والمعذّبين في الأرض. ولكنّهم
يحسبون أنّ ما أردته نهجًا دائمًا يكاد يصبح نسيًا منسيًّا.
اسمعهم، وإن كان ما يصيبهم يستحقّ اللوم، فَلُمْ أنت معهم.
أنت ترى أحبّاءك المقهورين والحزانى والأرامل والأيتام والمشرّدين
والمسجونين والذين يسكتون صرير أمعائهم بما يرميه المتخمون في صناديق القمّة. وترى
أنّ من تنتظر أن يطيعوك، ويعينوهم، لا يحرّكون ساكنًا. أو ما يعملونه لا يكفي.
لا أقول لك: عذّب نفسك، أو أضرب عن الطعام، أو نظّم مظاهرات احتجاجيّة.
بل: اغضب. هدّد. ارفع سوطك. ارتجل ويلات جديدة. أعلن حربًا على المخالفين. أقلْ من
تركوا محبّتهم الأولى.
أنت تعملها. فَلُمْ. وحوّل "المنارات عن موضوعها". اطلب الأمانة. استلّ
"السيف الذي في فمك". "جازِ كلّ واحد على قدر أعماله". باغت من "لم يحفظ ما سمعه
وتلقّاه". اطلب ممن أحببته "أن يتمسّك بما عندك"، أو خذْ إكليله. أشر على الفاتر
"أن يشتري منك ذهبًا منقّى بالنار".
اقبل نصيحتي، ولُمْ مع الذين يلومون. لُمِ الذين يلبسون الأرجوان
والكتّان الناعم، ويتنعمّون كلّ يوم تنعمًا فاخرًا". لُمْ، فقد تذكّر المتقاعسين
بقلوبهم، ويتوبون، وينقذون أنفسهم، وينتهي لومك.
38 – أوان الغناء
متى "يوافي أوان غنائي"؟
"أخبرني يا من تحبّه نفسي".
أنت تعرف أنّ "حبّك قد أسقمني"، وأنّني "على صواب إذ أحبّك". فـ "حبّك
أطيب من الخمر". فاسكب لي، وأفرغ ثُمالة دورقك في قدحي الأخير. وأنزلني، معك، إلى
جنّتك.
خذْ بيدي كعروس، وطفْ بي أمام مرأى جميع الذين أخلصوا لك. لن يغتاظوا.
لن يعترضوا. فهم مثلك سيفرحون بي.
لا أقول لك أصعدني إلى جنّتك. بل أنزلني.
كلّ من كتبوا، في اختبار حبّك، قالوا إنّ جنّتك فوق. لم يقصدوا أن
يحددوا لها مكانًا. فهم عرفوا أنّها حالة، حالة أن نكون معك، وأن تكون وجوهنا
دائمًا إلى وجهك. ولكنّ واحدة منهم قالت عن حبيبها، الذي هو أنت: إنّه قد "نزل إلى
جنّته". وأنا أحببت ما قالته، وأرى أنّه يناسبني. فأنزلني، معك، يا من حبّه "قويّ
كالموت". أنزلني، لأختبر موتك وقيامتك، وأفهم أنّني حيّ، وفوق.
أنزلني معك. فأنا "أشتهي أن أجلس في ظلك"، وأن أتمدّد على "فراش
ريّان"، وأن أغنّي لك. فمتى "يوافي أوان غنائي"؟
39 – طلب كلمات
كلماتي تطلبك. فتعال، وتمدّد بين كلماتي.
أنت قلت على لسان أحد أنبيائك: "خذوا معكم كلامًا". فأنت تطلب الكلمات، وتحبّ الكلمات. وكلماتي تحتاج إليك، وتحبّك هي أيضًا.
فتعال، ولا تتأخّر.
تعال، وتمدّد. فإن تمدّدت بين كلماتي، فستتمدّد هي أيضًا. وستعرف أن تصطفّ، وتصاحب، وتبتسم، وترتع.
معك، لن تستغرب جملة، أو تعادي عبارة، أو تتعالى على لفظة، أو تستكبر على مصدر، أو تهمل اسمًا، أو تعاند فعلاً، وستهود إلى كلّ حرف يرضيك.
تعال. كلماتي لن تزاحمك، ولن تزعجك. فهي التي تطلبك. وستوسّع لك المكان كلّه. فتعال، وقلْ ما يحلو لك.
تعال. فأنت الكلمة الرقيقة كالزيت، والسنيّة كالضوئ، واللطيفة كالندى، والزكيّة كـ "رائحة لبنان"، والمنعشة كالماء الحيّ، واللطيفة كالنسيم العليل، والصافية كسماء الصيف، والواثقة كملك يخطو، والمخصبة كالحرّيّة. ومن لا يتمنّى وجودك. وأنت الكلمة القاطعة كالسيف، والعميقة كالغور، والممحّصة كالنار، والعنيفة كالغضب، والمدوّية كالرعد، والهاطلة كالجَوْد. ومن يستطيع أن يقف أمامك، ويزاحمك.
تعال، وتمدّد. فالكلمات شأنك في الزمان والمدى. تعال، لتغدو الكلمات فعلاً، ويكمل شأنك.