ORTHODOX Church of Divine Ascension
 
 
 
     SERMONS >> pages 1 -  2 - 3 -  4 - 5

الأحد الخامس من الصوم

أحد مريم المصرية
 

  الأب أنطون سليمان ـ كنيسة الصعود الإلهي ـ كفرحباب / غزير   

02/05/2006

 

      باسم الآب والابن والروح القدس. آمين

 

 " لما حان كمال الأزمنة كلّمتنا بابنك نفسه، الذي به صنعت الدهور "

 

 هذه العبارة ستسمعونها بعد قليل في مقدمة كلام التقديس لقداس القديس باسيليوس الكبير. هذه الخدمة تقيمها كنيستنا في آحاد الصوم، وفيها يتوسع القديس باسيليوس أكثر من الذهبي الفم مقدماً لوحة رائعة، موجزة ومفصلة في آن، لسرّ التدبير الثالوثي الخلاصي.

 

  ولكن ما علاقة ذلك بهذا الأحد؟

 

  قلت في الماضي يا أحبة أن آحاد الصوم يحكمها خطّان متكاملان:

فالنصوص الكتابية، أولاً، تقودنا من خلال مواضيعها، بتوترٍ يزداد حدةً أحداً بعد أحد، لنجد أنفسنا في أواخر أسبوع الآلام أمام صليب الرب وموته وقيامته من بين الأموات وكأننا أمام نهايةٍ محتومةٍ منتظرة. فتَجاوُزُ التقديس الأعمى ليوم السبت، وغفران الخطايا، والإشارة إلى ألوهية يسوع . . كلها مواضيع تثير التجاذب الشديد بين يسوع و" معلمي الشريعة " واليهود عموماً.

 

وأما مواضيع هذه الآحاد، فتحثنا على القداسة وسبيلها التوبة. فهي تجعلنا في نهاية الصوم نلتقي مع الخط الكتابي بانسجام كامل. فلقد اتضح لنا في الأحد الأول معنى الأيقونة وعلاقتها بسر التجسد وأهميتها التقوية. وتدرّبنا في الأحد الثاني على لاهوت القديس غريغوريوس بالاماس ومنهجه كأحد الوسائل للارتقاء إلى مصفِّ الأيقونة. وارتفع الصليب في الأحد الثالث أيقونة الأيقونات وخلاصة كل الأيقونات بحيث تجلى في شخص المسيح-الإله المصلوب، حبُّ الله المبذول وعبّر يسوع-الإنسان المصلوب، عن توق الإنسان العميق نحو الكمال والمرتجى الموعود بعد أن حالت كارثة السقوط بين الإنسان وبين معرفته لدعوته وتحقيقها عبر تاريخه الطويل. وفي الأحدين الرابع والخامس رفعت لنا الكنيسة أيقونتين لقامتين بشريّتين كبيرتين رسمتهما ريشة التوبة والقداسة هما يوحنا السلّمي ومريم المصرية.

 

 لوحة رائعة تختصر مسيرة الصوم المبارك تربينا على التقوى والتوبة والقداسة لنصبح أكثر أهلية للدخول في سرِّ آلام المخلص وموته وقيامته بين أحد الشعانين وأحد الفصح.

 

 فالكأس التي يسألنا الرب إن كنّا نستطيع أن نشربها إن هي إلا كأس دم المسيح، دمه المهراق على الصليب، وهبها لنا كأساً مترعة ينبوعاً للخلاص فياضاً، والصبغة إن هي إلا معمودية الصليب والموت والقيامة التي رسمها لنا سرّاً لنعمة التبني ـ سر المعمودية ـ الذي إذا نحن فعّلناه بنعمته ، جعلنا هو " شركاء مجده ".

 

كلّ هذا بدأ بكشف الله الثالوثي لحبه الفائق منذ الخلق، فالخلق فعل حب. واستمر هذا الحب في تاريخ الخلاص برعاية الله للخليقة كلّها برعايته للإنسان وهدايته. وفي الأزمنة الأخيرة، تجلى هذا الحب بالتجسد الإلهي الذي هو اقتران ثابت أزلي لا تنفصم عراه ـ لأن الله بحنانه ارتضاه أن يكون هكذا ـ بين الخالق والخليقة، بين يسوع المسيح الإله وبين الإنسان الذي جعله الله سيد الخليقة. وقد بلغ هذا التدبير ذروته وكمال بلاغته بالدم المراق على الصليب والصبغة الناشئة عنه موضوع إنجيلنا اليوم.

 

 أمّا موجز سيرة مريم المصرية يا أحبة فهي أنها كانت فتاة غانية اتخذت الفجور والدعارة هوايةً لها منذ صباها المبكر. وإمعاناً في فجورها ذهبت إلى أورشليم في موسم تكريم رفع الصليب لتوقع من أمكن في حبائلها. وعندما حاولت أن تدخل الكنيسة شعرت عدة مرات أن هناك قوةً تمنعها من الدخول. فانكشف لها الأمر بغتة وقررت التوبة وصلّت أن يقبل الربّ توبتها وللحيـن دخلـت الكنيسة بدون عائق. فصدعها الأمر واختارت النسك في برية الأردن سبيلاً للتكفير عن ماضيها وطريقاً للتوبة. وقد تاب الله عليها وبعدجهادٍ طويل في النسك وأعمال التوبة بلغ  قرابة الخمسين سنةً، استحالت إناءً للروح القدس. وفي أيامها الأخيرة صادفها كاهن اسمه زوسيماس كان ينسك في البرية في موسم الصوم الكبير فطلبت إليه أن يزوِّدها بالقرابين الإلهية فأتاها بها يوم الخميس العظيم وتناولت بشكر. وعندما جاء ليناولها في السنة التالية وجد زوسيماس مريم جسداً راقداً مطروحاً على الأرض وقربها قرطاس مكتوب فيه " أيها الأب زوسيماس ادفن ههنا جسد مريم الشقية. إنني متُّ في النهار الذي ساهمت فيه الأسرار الطاهرة. صلِّ من أجلي ".

 

 لا أدري يا أحبة إن كنتم تقرأون فالعالم أصبح لا يحب القراءة ولا يجيدها. ولكن في بعض الروايات أنه إذا بلغ العشق بين حبيبين مبلغاً عظيماً يُحدث كلٌ منهما جرحاً في يده أو معصمه بطرف آلةٍ حادة بحيث يخرج بعض الدم، ويقرِّب الحبيبان الجرحين إلى بعضهما ليمتزج الدم بالدم علامة وعربونا على ارتباطهما الأبدي واللا رجوع عنه.

 

 أريد أن أقرأ في ما حققه يسوع على الصليب أساساً عميقاً لهذا التصرف. فجروحه جروح حب مفتوح وعشقٍ مشرّع الأبواب لا يتزعزع ولا رجوع عنه لكل من أدرك هذا الحب وسعى إلى قبولٍ شخصي لاقتران الألوهة بالبشرية.

 

تقول سيرة مريم المصرية أنها عندما لم تتمكن من الدخول إلى الكنيسة مع أن جمهور الشعب كان يدخل انجرح قلبها.    أريد أن أزعم أيضاً أن جرح قلب مريم المصرية بقي ينزف توبة وحبّاً وعشقاً لحين جاءها الكاهن زوسيماس بالجسد الكريم والدم الطاهر فامتزج الدمان ودخلت مريم في عرسها الأبدي الذي لا ينتزع منها. . . فإذا بها كتلة ضياء.

 

 الرب يسوع له المجد عرض علينا من على الصليب كأس دمه الذي يتحدى به إنجيل اليوم قدرتنا (أتستطيعان أن. . ؟) على قبوله عربون عشق لا يخيب ولا رجوع عنه. والكأس إياها تفيض بحب الإله، حبّه المبذول في كلّ قداسٍ إلهي. وستبقى جراح المسيح تنزف لتغوي وتجتذب إليها آخر إنسان ما تلمظ هذا الكأس ولا سكر بها. فأجواء الاشتراك في القرابين الإلهية أجواء عرس. وهذا ما تؤكده لنا خدمة المطالبسي (صلاة الاستعداد للمناولة). فعباراتٌ مثل: قد شغفتني بشوقك أيها المسيح، ونقلتني بعشقك الإلهي. . . وفي بهاء قدّيسيك كيف أدخل أنا غير المستحق، لأني إن تجرّأت على الدخول معهم إلى الخدر يبكّتني لباسي لأنه ليس لباس العرس، وغيرها، كلها توحي بأجواء العرس المدعوين لدخوله بالكأس المقدسة.

 

  اليوم تتقدمون جميعاً إلى هذه الكأس لتحوّلوا العربون إلى العرس. أرجوكم أن لا تتقدموا منها حزانى بائسين متجهّمين. تحزنون على خطاياكم؟ نعم! ولكن هذا حزن مقدّس يؤول إلى منتهى الفرح. هذا حزن هو بمثابة الجرح المطلوب النازف دماً ضرورياً للامتزاج بدم كأس إنجيل اليوم لتتحقق أبدية العلاقة. أما حزن هذا العالم وهموم هذا العالم فلا يتفق ولا ينسجم مع فرح العرس المحقق بتناول الأسرار الإلهية الذي دفع عربونه يسوع المسيح على الصليب بانتظار قبولكم واقبالكم إليه.

 

    أن نعي كل ذلك، أن تعرف كل نفسٍ أنها في دخولها في شركة الأسرار الإلهية إنما تدخل كعروسٍ إلى خدر عريسها وتبقى فيه  إلى الأبد، هذا هو الفصح!

 

CLICK HERE TO REGISTER

 
     NEWLY ADDED