سافر إلى بلاد بعيدة، بعد أن حصل على منحة تمكّنه من أن يتابع دروسه في لغة تلك
البلاد. وكان ملتزمًا العبادة في كنيسته، ولا يقبل أن ينقطع عن صلواتها، ولا أن
يبدلها بأخرى. فسعى إلى أن يستدلّ على كنيسة أرثوذكسيّة ليحجّ إليها يوم الأحد،
ويشارك في الذبيحة الإلهيّة مع أتراب يجمعه معهم إيمان واحد. فاكتشف أنّ أقرب كنيسة
إلى المنزل، الذي كان يقيم فيه، يتطلّب وصوله إليها ستّ ساعات ذهابًا، ومثلها
إيابًا. وكان يفعل ذلك كلّ يوم أحد. وبقي على هذه الحال ثلاثة أشهر، وهي مدّة
المنحة التي أُعطاها.
45– صلاة مسلم في
دار مطرانية
زار يومًا رجل ضرير، وهو عالم كبير في العلوم الإسلاميّة، دار المطرانيّة، لافتقاد
أسقفها الشيخ. وكان الرجلان صديقين حميمين. وبعد سلام وكلام، أدركت الزائر الصلاة.
فطلب من صديقه بعض ماء ليغتسل، ويصلّي. فقام الأسقف، وقاده بيده إلى المغسلة،
وسلّمه منشفة نظيفة، وخرج. وبعد أن انتهى الزائر من الاغتسال، أخذه صديقه إلى
غرفته، وأحضر له سجّادة صغيرة كانت موضوعة في خزانة عالية، وبسطها على الأرض. وقدّر
الوجهة المناسبة للصلاة، وأدار ضيفه نحو القِبْلَة، وقال له: أنت الآن جاهز لتؤدّي
صلاتك.
50– عطاء كلّيّ
كانوا
شبابًا غيورين، همّهم نقل كلمة الله والعيش بموجبها. وكان الناس حولهم يقدّرون
عملهم، ويواكبونه باهتمام شديد.
فكّر هؤلاء، في مطالع خمسينات القرن المنصرم، في شراء منزل لهم، ليجتمعوا
فيه، ويرتّبوا أحوالهم، وينظّموا خدمتهم. وما كان ثمن المنزل متوفّرًا معهم.
فقرّروا التوجّه إلى الناس في بيوتهم، وطلب عونهم وفعلوا.
مرّوا على مؤمنين كثيرين، وتباركوا بعطاءات كريمة. وفي مرورهم، تجاوزوا
منزل امرأة فقيرة كانت تعرف قرارهم، وتنتظرهم. فصاحت بهم، بعد أن رأتهم قد
تجاوزوها، وسألتهم: لماذا تجاوزتموني؟ فاعتذروا أنّهم يعرفون وضعها، ولا يريدون
إحراجها. أما هي فأعطتهم كلّ ما تملكه (ستمائة ليرة لبنانية). وكان هذا أكبر مبلغ
حصلوا عليه !
51- الزوجة البكر
كان ينتقد هذا المجتمع السقيم الذي تحكمه السلطة والمال والجنس. واستطرد في انتقاده الخلافات الزوجيّة لغير سبب تافه. ثمّ أخبر: أن امرأة من معارفه كانت متزوجة برجل وجيه. ولم يكن أحد يعرف أن زواجها به "غير مكتمل". إذ إنّ حياتهما كلّها، بتفصيلها وتفاصيلها، كانت تدلّ على سعادة قصوى وحسن اتّفاق. وهذا كان حالهما في الواقع. وبقيا على هذه الحال عمرهما كلّه. ومات زوجا. وبقيت هي وفيّة لأصره. ولكنّها اضطرّت، في شيخوختها، إلى أن تخضع لعمليّة جراحيّة، فاكتشف الأطبّاء أنها ما زالت بكرًا !
52- الله السامح
لجأ رجل إلى دار المطرانية ليطلب عونًا مُلِحًا له. فإنّ أحد أفراد عائلته يحتاج إلى دخول المستشفى لإجراء عمليّة جراحيّة طارئة. وما كان يملك المبلغ الكبير الذي يتطلّبه إتمام هذا الإجراء. فلاقاه أسقفها، وبعد أن عرف طلبه، اعتذر منه قائلاً: إن المبلغ، الذي تطلبه، غير متوفّر عندي. فخرج الرجل مكسور الخاطر.
بعد خروجه توًّا، رنّ جرس هاتف المطرانية، وردّ أسقفها على طالبه. وبعد أن أنهى المكالمة، خرج مسرعًا ليجد الرجل نفسه جالسًا على الدرج. فقال له: أما زلت هنا؟! أجابه: ليس لي مكان آخر أذهب إليه. فردّ عليه: ادخل، فما تحتاج إليه صار متوفّرًا. فقال له الرجل: قبل قليل قلت لي إنّك لا تملك المبلغ الذي طلبته منك! أجابه الأسقف: كنتُ قبل قليل صادقًا، وأنا الآن أيضًا صادق. ثمّ تابع: إنّ الله سمع استغاثتك. فقد أتاني، بعد خروجك، اتّصال علمت منه أن المبلغ عينه، الذي طلبته، يصل إليّ في غضون ساعة!
53- خوف من أذى
إذا جالسته يرعاك بودّه وحكمته. من ميزاته أنّه يستر عيوبك، ويساعدك على التخلّص منها، واكتشاف مواهبك لتعمل على تثميرها.
مدح مرّةً، علنًا، شابًّا برّز في العلم بروزًا عظيمًا، وكان الشابّ حاضرًا. فانتقده بعض سامعيه بعد خروج ذاك، بقولهم: ألست تخاف من أن يصيبه أذى الكبرياء من كلامك هذا. أجابهم: أنا أقول ما هو حقّ، وعليه أن يشكر لله عطاياه، ويجتهد في تثميرها، ويشعر، في قلبه، بأنه غير مستحقّ!