أوقفه، مرةً، رجلٌ على الطريق، وقال له: أنت تؤمن بقول ربّك "من انتزع
منك رداءك فلا تمنعه قميصك. وكلّ من سألك فأعطه". وتابع: أنا ليس عندي حذاء يقي
قدميّ من حرّ الصيف وبرد الشتاء، فهل يمكنك أن تعطيني خاصّتك؟
أجابه سامعه: تعال معي.
سار الرجل وراءه حتّى وصلا إلى بيته. فترك له حذاءه، ودخل البيت حافي
القدمين!
37 – القلب
المستعدّ
افترق زوجان. فحاول صديق الزوج أن يعيده إلى بيته وعائلته. أما هو فبقي
مصرًّا على موقفه، وأبى أن يسمع كلمة واحدة، أو أن يحاور.
ثم قصده بعد يومين، وكرّر ما فعل. فوجد أنّ موقفه ألين مما كان عليه
أمس الأوّل.
استغلّ لينه، وقال له: إنّ للحياة المشتركة صعابًا جمّة. ولكنّ صعابها
مربّية. فالإنسان، إذا قرّر الزواج، قلّما يفطن بأنّ لزوجته تربيتها وعاداتها
وثقافتها، وأن هذه وتلك كثيرًا ما تكون مختلفة عن تربيته وعاداته وثقافته. فالزواج
هو، دائمًا، لقاء بين اثنين مختلفين، أو متنوّعين. ولكنّ كلّ زوجين مدعوّان إلى أن
يصبحا واحدًا. والوحدة ليست من هذا العالم، ولا من "أشياء هذا العالم". الله هو
الموحّد. وهذه الوحدة، وإن كان دربها طويلاً، إلاّ إن المرء يمكن أن يجتازه لبسرعة،
إذا سكن الله وكلمة نعمته. وأضاف: إذًا، الحياة تبنى على ضوء طاعة مشيئة الله. وهذه
المشيئة تطلب أن ينظر الإنسان، إذا جرى، مثلاً، خلاف بينه وبين زوجته، في أخطائه
الشخصيّة، ويحاول الإقلاع عنها. الحلّ لا يمكن حصوله إذا نظر أحدنا فقط إلى هفوات
الآخر وأخطائه، واعتبر نفسه كاملاً، ووحده على حقّ.
لمّا أنهى كلامه، ووجد أنّ قلب صديقه بات مستعدًّا، قاده إلى بيته بعد
أن كان قد هيّأ زوجته بالكلام عينه.
38– ادّعاء فارغ
كان
يدّعي بأنّه يعرف كلّ شيء. فقال له أحد سامعيه: إنّ من يعرف كلّ شيء لا يعرف شيئًا.
39– فقير إلى
المحبّة
كان
رثّ الهيئة. وكان يستعطي الذين يتوقّفون، في سيّاراتهم، على تقاطع إحدى الطرقات.
ولكنّه، في العمق، كان فقيرًا إلى المحبّة. طلب، في أحد الأيّام، مالاً من رجل فقير
كان مارًّا من أمامه على قدميه، فقال له: لا مال معي، ولكن يمكنني أن أدعوك إلى
تناول الغذاء في منزلي. فأوقف الاستعطاء، وذهب معه!
40– مساعدة من
مجهول
دخل
جامعة خاصّة بعد أن دبّر مال الفصل الأوّل. وكان أهله فقراء، وما كان بمقدورهم
تأمين مال الأقساط المتبقية. وكان مظهره يدلّ على فقره المدقع.
أتاه، يومًا، زميل له جديد، في الجامعة، لا تأصِره عليه آصرة، بعد أن
عرف، من منظره، أنّه يأرب إلى العون، وعرض عليه المساعدة قائلاً له: إنّ أبي يشرف
على مؤسسة تعنى بمساعدة الشباب الجامعيّ، وتأمين المال اللازم ليكملوا تخصّصهم.
اهتمّ الشابّ كثيرًا بكلام زميله، وسأله: وما هو شرط هذه المساعدة؟
أجابه: شرطها أن يتعهّد الطالب أن يلتزم إعادة المال عينه من دون أيّ فائدة، بعد أن
ينهي دراسته، ويجد عملاً له.
لم يصدّق الشابّ ما سمعته أذناه. وشعر بأنّ هذا العرض نعمة هبطت عليه
من السماء. وقَبِل بامتنان. وأكمل دراسته. وتخرّج. ووجد عملاً. وصار يسدّد الدين،
بانتظام، ويودع المال يد زميله.
ثمّ وصل إلى آخر مبلغ كان متوجّبًا عليه، فقال له زميله نفسه: الآن
يمكنني أن أقول لك حقيقة ما جرى. إنّ المؤسّسة، التي كلّمتك عليها، قد أفلست منذ
بدء مساعدتها إيّاك، وأوقفت كلّ مساعدة لك ولغيرك. ولكنّ أبي تعهد أن يلتزمك
شخصيًّا بعد أن عرف وضعك وجدّيّتك وحسن أخلاقك.
صدمه ما عرف، وطلب من محدّثه أن يزورهم، في منزلهم، ليشكر لأبيه عونه.
ولكنّ ذاك أجابه: أطلب منك أن يبقى ما قلته لك سرًّا بيني وبينك، فإنّ أبي لا يرضى
بأن يعرف أنّني أخبرتك!
41– عطيّة رجل
غريب
كان سكّيرًا. وكان سكره يذهب بعقله، فيملأ بيته صراخًا وشتمًا، ويضرب
زوجته أبرح ضرب.
مرض هذا الرجل، وحكم طبيبه أن يخضع لعمليّة جراحيّة تبلغ كلفتها ستّة
ملايين ليرة لبنانية. وما كان يملك منها قرشًا واحدًا.
اتّصل بابن له يعمل في الخارج، وطلب معونته. فدبّر له ذاك نصف المبلغ
المطلوب. وحاول ابن له ثانٍ أن ينقل حاجته إلى مدير الشركة، التي يعمل فيها، ويطلب
سلفة على معاشه بالمبلغ المتبقّي. فدخل عليه، وأخبره شكواه، ولكنّ المدير رفض طلبه،
وردّه خائبًا.
كان حاضرًا، في ذلك الوقت، رجل غريب، سمع الشكوى، وسمع الرفض. ولمّا
خرج الشابّ مكسورًا، خرج معه الرجل الغريب، وأعطاه بطاقة عنوانه، وقال له: تعال
إليّ غدًا صباحًا، وأحضر معك ما يثبت صدق طلبك.
في اليوم التالي، ذهب الشابّ إلى الموعد، وأخذ معه دلائل صدقه. وبعد أن
اطّلع عليها الرجل الغريب، حرّر شكًّا بالمبلغ المتبقّي، وأعطاه إيّاه من دون أيّ
سند!
فخرج الشابّ فرحًا، وهو يقول في نفسه: إنّ الله يدبّر حياة جميع الناس
المستحقّين منهم وغير المستحقّين!
42– قدرة الله
حدث نزاع بينه وبين أحد أقاربه. فحاول هو إصلاح الوضع مرّة ومرّتين، ولكنّه لم يفلح.
ثمّ جاء إلى بعض أصدقائه، في الرعيّة، وطلب منهم أن يتدخّلوا. وكانوا هم يعرفونهما معًا، ويعرفون سبب نزاعهما. فحاولوا، ولكنّهم هم أيضًا لم يفلحوا.
فقصد الشابّ مرشده، وروى له ما حدث بصدق، وطلب مشورته. أجابه: لقد فعلتم ما يجب فعله، والآن عليك أن تصلّي لقريبك بمحبّة، وأن تصلّي له دائمًا. قال: وماذا تنفع الصلاة، ما دام قلبه يرفض الصلح؟ أجابه مجدّدًا: "غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله". وأضاف: إن الله، الذي خلق قلبك وقلبه، هو، وحده، قادر على تنقيتهما وتجديدهما. أنت ضعْ شكواك أمام قدميه، وآمن بقدرته. هذا الآن، وحده، ينفعك وينفعه، وينجّيك من شرّ الإدانة.
43– اتّصال مفاجئ
كان قابعًا، في منزله، يشكو حمّى أصابته. فجاءه اتّصال هاتفيّ علم منه
أنّ رجلاً، من رعيّته، يُحتضر. فهمّ سريعًا بارتداء ثيابه. وكان يعوده، في ذلك
الوقت، شابّ من تلاميذه في معهد اللاهوت. فلمّا رآه يرتدي ثيابه، قال له: ماذا
تفعل، وما كان هذا الاتّصال المفاجئ. أجابه: إنّ رجلاً حضره الموت، ويجب أن أنقل
إليه، الآن، القربان المقدّس. وبعد أن علم الشابّ أنّ منزل الرجل المقصود بعيد
جدًّا، قال لمعلّمه: إنّك تحتاج إلى ساعات عدّة لتذهب وتعود، وأنت، بوضعك الحاليّ،
قد لا تعود حيًّا! ثمّ أضاف: أجّل هذا الأمر إلى يوم غد، لربما تكون صحّتك قد
تحسّنت. فأجابه الكاهن: وإذا لم يعش ذاك الرجل إلى يوم غد!